أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

5

العقد الفريد

للفلاسفة وزعمت الفلاسفة أن النغم فضلّ بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع ، فلما ظهر عشقته النفس وحنّ إليه الروح ؛ ولذلك قال أفلاطون : لا ينبغي ان تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا ؛ ألا ترى ان أهل الصناعات كلّها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ، ترنّموا بالألحان ، فاستراحت لها أنفسهم . وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه ، ويعجبه طنين رأسه ؛ ولو لم يكن من فضل الصوت إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل أو ملبس أو مشرب أو نكاح أو صيد ، إلا وفيه معاناة على البدن ، وتعب على الجوارح . غيره ، لكفى . وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خير الدنيا والآخرة ؛ ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق ، من اصطناع المعروف ، وصلة الرحم ، والذبّ عن الاعراض ، والتجاوز عن الذنوب ؛ وقد يبكي الرجل بها على خطيئته ، ويرق القلب من قسوته ، ويتذكر نعيم الملكوت ويمثله في ضميره . وكان أبو يوسف القاضي ربما حضر مجلس الرشيد وفيه الغناء ، فيجعل مكان السرور به بكاء ، كأنه يتذكر به نعيم الآخرة ! . لابن أبي داود وقال أحمد بن أبي داود إن كنت لاسمع الغناء من مخارق عند المعتصم ، فيقع علي البكاء ! . حتى إن البهائم لتحنّ إلى الصوت الحسن وتعرف فضله ؛ وقال العتابي وذكر رجلا ، فقال : واللّه إن جليسه لطيب عشرته لأطرب من الإبل على الحداء ، والنحل على الغناء .